الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

510

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

الربوبية ، فهو كالمعنى الحرفي لا حكم له على حياله فبقاؤه ببقائه لا باستقلاله ، ومعنى بقاء الوجه ببقاء الله أنّ الوجه لا هو ولا غيره ، بل الوجه ظهوره تعالى الحاكي عن ذاته المحتجبة عن العقول البشرية والأبصار الخلقّية ، فهو تعالى هو غير معقول ولا محدود لأحد من الخلق ، إلا أنه حيث أراد أن يعرف فخلق الخلق ، أي أظهر ما به معرفته وثبوت وجوده ، فالخلق الأول هو ظهوره ووجهه كما قال : " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن اعرف فخلقت الخلق لكي أعرف " وفي الحقيقة ظهوره هو الوجود المنبسط الذي هو في كل بحسبه ، وبالجملة حقيقة هؤلاء الأنبياء والأئمة عليهم السّلام العقول الكلية الكائنة تحت سطوع نور الأول بحيث لم يمكنهم من البروز ، ولذا كانت من صقع الربوبية وباقية ببقاء الله ، موجودة بوجود الله تعالى ، وهي العقول الكلية التي هي مظاهر لأسمائه الحسني ، فهي ظهورات للكنز الخفي المسمى ، أي ذاته المقدسة ، وهي أسماؤه الظاهرة أي ظهرت الذات بها ، والاسم عين المسمى من وجه وغيره من وجه آخر ، فهذه العقول والأسماء تدل عليه تعالى باعتبار حملها أعباء صفات الله تعالى لا باعتبار نفسها الحاملة ، فإن نفسها التي هي المظهر للذات قد استهلكت تحت أنوار الصفات الإلهية ، ففي الحقيقة الصفات دالة على ذاته تعالى بنفسها ، ولا حكم للعقول من حيث هي هي ولا دلالة لها ، بل لما كانت مستهلكة في أنوار الصفات الإلهية فلا حكم لها أبدا إذ لا حكم للمستهلك ، بل الصفات الإلهية الظاهرة بهذه العقول دلَّت عليه تعالى . وكيف كان فهذه العقول لكمال رقتها ولطافتها لا لون لها في نفسها فانصبغت بصبغة صفات الله ، فالعقول التي هي الأسماء الحسني الإلهية إنما تكون مرآة لذاته تعالى إذا لوحظت آلة لا استقلالا ، فإن الأسماء إذا لوحظت استقلالا يكون لكل منها مفهوم غير مفهوم الآخر ، وهي بهذه الملاحظة مخلوقة وغير المسمى ، وأما إذا لوحظت آلة كالمرآة الملحوظة لرؤية الصورة فهي حينئذ عين المسمى ، إذ هي حينئذ مضمحلَّة غير منظورة إليها أبدا